محتويات المقال
سعر العقار أم قيمته؟ كيف يحدد المقيم العقاري القيمة الحقيقية للعقار في الأردن؟
بقلم المهندس زياد شتيوي
ميزان للتقييم والاستشارات العقارية
في السوق العقاري الأردني، من أكثر الأخطاء شيوعًا التعامل مع سعر الإعلان أو السعر الذي يطلبه المالك على أنه القيمة الحقيقية للعقار.
وقد يبدو الفرق بين السعر والقيمة بسيطًا، لكنه في الواقع فرق جوهري قد يؤثر على قرارات الشراء والبيع والتمويل والاستثمار، بل وقد تكون له آثار مباشرة في القضايا القضائية ونزاعات الملكية والتعويض.
فالعقار ليس مجرد مساحة مضروبة في سعر متر، وإنما أصل تتأثر قيمته بمجموعة من العوامل، منها الموقع والتنظيم والاستعمال والحالة الفنية والطلب في السوق والوضع القانوني والدخل الذي يمكن أن يحققه العقار.
السوق العقاري الأردني ليس سوقًا واحدًا
عند الحديث عن السوق العقاري الأردني، من الخطأ التعامل معه باعتباره سوقًا متجانسًا له سعر واحد أو اتجاه واحد.
فالسوق في عمّان يختلف عن الزرقاء وإربد والعقبة، وحتى داخل المحافظة الواحدة تختلف القيم من منطقة إلى أخرى، وأحيانًا من شارع إلى شارع ومن قطعة إلى قطعة.
وقد تختلف قيمة عقارين متجاورين بسبب اختلاف التنظيم أو الواجهة أو عدد الشوارع أو شكل القطعة أو مناسيب الأرض أو الاستعمال التنظيمي أو قابلية التطوير.
ولهذا فإن السؤال: «كم سعر المتر في المنطقة؟» ليس كافيًا للوصول إلى قيمة عقارية مهنية.
كيف يقرأ المقيم العقاري السوق الأردني؟
المقيم العقاري لا ينظر إلى السوق من خلال إعلان واحد أو رأي متداول بين المالكين أو الوسطاء.
بل يبدأ بتحليل العقار محل التقييم، ثم يبحث عن البيانات السوقية المناسبة ويقارنها بالعقار من حيث الخصائص المؤثرة في القيمة.
وتوفر دائرة الأراضي والمساحة مؤشرات دورية لحركة سوق العقار في المملكة، كما توفر بيانات وخدمات مرتبطة بالقيم الإدارية للعقارات، وهي من المصادر المهمة عند دراسة السوق والبيئة العقارية في الأردن.
لكن وجود بيانات عامة عن السوق لا يعني أن تطبيق رقم واحد على جميع العقارات صحيح؛ فالمقيم يحتاج إلى تحليل البيانات وربطها بخصائص العقار محل التقييم.
سعر العرض لا يساوي القيمة السوقية
لنفترض أن مالك شقة عرضها للبيع بمبلغ 150,000 دينار.
هل هذا يعني أن قيمة الشقة السوقية هي 150,000 دينار؟
لا.
هذا الرقم يمثل في البداية سعر العرض، أي المبلغ الذي يرغب المالك في الحصول عليه.
أما القيمة السوقية فتحتاج إلى تحليل ظروف السوق والعقار والمقارنات المناسبة، مع الأخذ بعين الاعتبار تاريخ التقييم والغرض منه والأساس المعتمد في تحديد القيمة.
وقد يكون سعر العرض أعلى من القيمة السوقية، أو أقل منها، أو قريبًا منها، ولا يمكن معرفة ذلك بمجرد مشاهدة الإعلان.
مشكلة «سعر المتر» في السوق العقاري
من أكثر العبارات انتشارًا في السوق:
كم سعر المتر في هذه المنطقة؟
السؤال بحد ذاته ناقص.
السؤال المهني الأدق هو:
ما سعر المتر لعقار مشابه من حيث الموقع والتنظيم والمساحة والواجهة والاستعمال والحالة الفنية ووقت الصفقة؟
فقد تكون هناك قطعتان بمساحة 1000 متر مربع في المنطقة نفسها، ولكن إحداهما أعلى قيمة بشكل واضح بسبب اختلاف التنظيم أو الواجهة أو عدد الشوارع أو قابلية البناء والتطوير.
أربعة أرقام يجب ألا تختلط على المالك
1. سعر العرض
هو السعر الذي يطلبه المالك أو يظهر في الإعلان. وهو مؤشر يمكن الاستفادة منه عند دراسة السوق، لكنه لا يمثل وحده دليلًا على القيمة السوقية.
2. سعر الصفقة
هو السعر الذي تمت به عملية البيع فعلًا. ويكون أكثر أهمية عند دراسة المقارنات، مع ضرورة معرفة ظروف الصفقة ومدى تشابه العقار المقارن مع العقار محل التقييم.
3. القيمة الإدارية
توجد في الأردن منظومة للقيم الإدارية للعقارات، وتوفر دائرة الأراضي والمساحة خدمات إلكترونية مرتبطة بالقيمة الإدارية للأراضي والشقق.
لكن يجب عدم الخلط بين القيمة الإدارية وبين القيمة السوقية؛ فلكل منهما استخدامه وأساسه والغرض الذي تحدد من أجله.
4. القيمة السوقية
هي قيمة يتم تقديرها وفق أساس تقييم محدد وفي تاريخ محدد، وبناءً على تحليل ظروف السوق وخصائص العقار والبيانات والمقارنات المناسبة.
الإضافة الأهم: المقيم لا يبحث عن أقرب عقار فقط
هذه من أهم النقاط التي تميز التقييم المهني عن التقدير العشوائي.
أفضل مقارنة ليست بالضرورة العقار الأقرب جغرافيًا، وإنما العقار الأكثر تشابهًا من حيث الخصائص المؤثرة في القيمة.
فعند تقييم شقة في عمّان مثلًا، لا يكفي أن نجد شقة أخرى في الحي نفسه. يجب دراسة المساحة والطابق وعمر البناء والتشطيبات والمواقف والإطلالة والواجهة ومستوى البناء والموقع داخل الحي والخدمات المحيطة.
بعد ذلك يتم تحليل الفروقات بين العقار محل التقييم والعقارات المقارنة للوصول إلى مؤشر أكثر واقعية للقيمة.
ماذا يفعل المقيم عندما لا تتوفر مقارنات كافية؟
ليست جميع العقارات متداولة بشكل متكرر في السوق، وبعض العقارات تكون ذات طبيعة خاصة أو استعمال مميز، وبالتالي قد تكون البيانات السوقية المباشرة محدودة.
في هذه الحالات لا يصح اختيار عقار مختلف جوهريًا لمجرد أنه يقع في المنطقة نفسها.
بل يتم تقييم مدى ملاءمة طرق تقييم أخرى، مثل طريقة التكلفة أو طريقة الدخل، بحسب طبيعة العقار والغرض من التقييم وتوفر البيانات.
مثال عملي من السوق الأردني
لنفترض وجود مبنى استثماري معروض للبيع بمبلغ 1,400,000 دينار ويحقق دخلًا إيجاريًا سنويًا قدره 105,000 دينار.
هل يكفي أن نقول إن قيمة المبنى هي 1.4 مليون دينار لأن هذا هو سعر العرض؟
بالتأكيد لا.
يجب دراسة الدخل الإيجاري، والمصروفات، وشروط الإيجار، وطبيعة المستأجر، ومدة العقود، واستقرار الدخل، وحالة العقار، ومخاطر الاستثمار، ومعدل العائد المناسب.
وفي الوقت نفسه يمكن استخدام طرق أخرى للتحقق من معقولية النتيجة عندما تتوفر بيانات مناسبة.
هذه هي النقطة الفاصلة:
«تقدير السعر» ليس بالضرورة «تقييمًا عقاريًا مهنيًا».
لماذا يختلف تقييم عقارين متشابهين ظاهريًا؟
لأن القيمة العقارية تتأثر بمجموعة واسعة من المتغيرات، ومن أبرزها:
- الموقع الدقيق للعقار.
- التنظيم واستعمالات الأراضي.
- مساحة الأرض أو البناء.
- الواجهة وعدد الشوارع.
- الشكل الهندسي للقطعة.
- المناسيب وطبيعة التضاريس.
- عمر البناء وحالته الفنية.
- جودة التشطيبات.
- المواقف والخدمات.
- الإطلالة والخصوصية.
- الدخل الإيجاري في العقارات الاستثمارية.
- الوضع القانوني والتنظيمي.
- ظروف السوق في تاريخ التقييم.
القاعدة التي يجب أن يتذكرها كل مالك ومستثمر
لا تسأل فقط: «كم سعر العقار؟»
اسأل: «ما الأساس الذي تم بناء هذا السعر عليه؟»
فالسعر الذي لا يستند إلى تحليل قد يكون مجرد رقم قابل للتفاوض، بينما التقييم المهني يبني رأيه على بيانات ومنهجية وأساس تقييم واضح وتاريخ محدد.
الخلاصة
السوق العقاري الأردني سوق متنوع، ولا يمكن اختزاله في متوسط عام أو سعر متر واحد.
كما أن ارتفاع حجم التداول أو عدد الصفقات لا يكفي وحده للحكم على ارتفاع قيمة جميع العقارات؛ فحتى المؤشرات الرسمية للسوق تحتاج إلى قراءة وتحليل وفهم لطبيعة البيانات التي تقيسها.
لذلك فإن الوصول إلى قيمة عقارية أكثر دقة يتطلب قراءة السوق على مستوى العقار والمنطقة، وتحليل المقارنات المناسبة، وفهم الفروقات بين سعر العرض وسعر الصفقة والقيمة الإدارية والقيمة السوقية.
في التقييم العقاري، جودة النتيجة تبدأ من جودة البيانات التي بُنيت عليها، وليس من الرقم الذي يرغب المالك في سماعه.
ميزان للتقييم والاستشارات العقارية
تقييم عقاري مهني مبني على التحليل والبيانات والمنهجية.
بقلم المهندس زياد شتيوي
للاستفسار والتواصل: 0793909033